الدكتور رياض ياسين”للقدس أهمية دينية لجميع الأديان”

الدكتور رياض ياسين”للقدس أهمية دينية لجميع الأديان”

-القدس باتت مهددة بعروبتها بسبب عمليات التهويد الإسرائيلي
-ضرورة مساندة الجهود الفلسطينية والعربية في رصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية
-المطلوب عربيا استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لدعم قضية القدس
-كتاب التكوين السياسي يوثق للتاريخ السياسي -للقدس عبر العصور منذ العصر الكنعاني وصولاً الى العصر الحالي

حاوره/ سليم النجار
متابعة /لطيفة القاضي

رياض حمودة ياسين، محاضر غير متفرغ بالجامعة الأردنية، مؤسس ومدير مركز إكليل للدراسات والاستشارات، وباحث في اللجنة الملكية لشؤون القدس 2002، ومساعد مدير الدراسات والاعلام في اللجنة الملكية لشؤون القدس 2002-2004، وصدر له العديد من الكتب، التكوين السياسي والتاريخي لمدينة القدس / بيروت 2002، تاريخ القدس السياسي والحضاري-ط1،منشورات دار وائل- عمان 2012، وحصل على العديد من الجوائز نذكر منها جائزة أفضل مقالة عن القدس من قبل وزارة الثقافة الأردنية بمناسبة إعلان القدس عاصمة الثقافة العربية عام 2009، كما و ينشر بالصحافة وأعد العديد من البرامج التلفزيونية.

اي القرارات الدولية التي انصفت القدس ؟

برزت مدينة القدس بين مدن الارض قاطبة بمكانتها الجليلة في تاريخ العلاقات الدولية بصفة عامة ،وعلى صعيد التنظيم الدولي بصفة خاصة،فلم تحظ مدينة بمثل ما حظيت به القدس من اهتمام المجتمع الدولي بها،ولم يكن اساس هذا الاهتمام ثروات اقتصادية تتمتع بها المدينة أو لاعتبارات التوازن الدولي في المنطقة،بقدر ما كان الاهتمام بسبب شخصيتها الدينية.

وللقدس أهمية دينية بالغة لمعتنقي اليهودية والمسيحية والاسلام ، مما يكسبها طابعا عالميا ، وينعكس هذا في النصوص الاساسية التي خصصتها الجمعية العامة لحماية الاماكن المقدسة دون تمييز ايا كان . وتنعكس هذه الصفة العالمية ايضا في النصوص المتعلقة بجعل القدس كيانا مستقلا لا يخضع لسيطرة اية قومية. وهنا يلاحظ بأن قرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29-11-1947 قد أعطى القدس خصوصية من خلال ما ورد في المادة الثالثة من الجزء الاول منه بحيث “تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية،والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس”، فقرار التقسيم أوصى بأن يجعل لمدينة القدس كيانا منفصلا((Corpus Separatum خاضعا لنظام دولي خاص،وتتولى الأمم المتحدة إدارته،ويُعيّن مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الادارية نيابة عن الأمم المتحدة.

فالقدس تخضع ككيان منفصل لسلطة دولية أي أن تكون القدس ضمن نظام حكم دولي خاص تقوم على إدارته الامم المتحدة.

وهنا الاعتراف بخصوصية القدس يؤشر على أكثر من أمر،فهناك اعتبار للمدينة بحيث لاتكون ضمن اي نزاع سياسي وعسكري كونها تحتفي برمزية من نوع معين ليس بالضرورة سياسية فقط بل قد تحمل بعدا ثقافيا.فالتدويل تنظيم لايهدف الى الاستقلال وتقرير المصير حسب رغبات ابناء المنطقة المدولة،وانما يهدف الى رعاية المصالح المشتركة بالنسبة للوضع الاستراتيجي او الاهمية الـدولية ذات الطـابع الانسـاني أو الدينـي أو الاقتـصادي للمـنطقة المـدولة .

يُعدّ قرار التدويل أول بيان اعلنت في الجمعية العامة مبادئ تتعلق بالمركز القانوني الدولي لمدينة القدس.
ويمكن اعتبار هذا القرار أهم القرارات المتعلقة بالقدس لأنه يضمن خصوصية المدينة وهويتها العربية الاسلامية والمسيحية، وقد تضمن نصوص القرار ما يؤكد ذلك فقد خصص الفصل الأول من القرار عنوانا مفردا للأماكن المقدسة والابنية والمواقع الدينية بحيث أكد على أهمية أن ” لا تنكر أولا تمس الحقوق القائمة المتعلقة بالاماكن المقدسة والابنية والمواقع الدينية” بحيث تضمن حرية الوصول والزيارة والمرور لجميع المواطنين في الدولة الاخرى وفي مدينة القدس،كذلك صون الاماكن المقدسة والابنية والمواقع الدينية. هذه الابنية هي التراث الثقافي للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. كما أوصى البند “ج” من القرار في الجزء الثالث ان تقوم سلطة ادارية حكومية تعمل على “حماية المصالح الروحية والدينية الفريدة الواقعة ضمن مدينة العقائد التوحيدية الكبيرة الثلاث المنتشرة في انحاء العالم – المسيحية واليهودية والاسلام- وصيانتها ،والعمل لهذه الغاية بحيث يسود النظام والسلام-السلام الديني خاصة- مدينة القدس.

ما هو الدور العربي المطلوب للدفاع عن عروبة القدس ؟
عروبة القدس تاريخيا باتت مهددة بسبب عمليات التهويد الإسرائيلي لكل مظاهر ومعالم الحياة الثقافية والعمرانية فيها، وقد استغل الاحتلال حالة الفوضى والانقسام في العالم العربي وماجرى من تحولات ما سمي “الربيع العربي” ليمضي قدما في استكمال مخططات التهويد وطمس معالم المدينة وتجريدها من عروبتها، لذلك فإن الدول العربية التي تتحرك نتيجة ضغط الشعوب عليها بين فترة واخرى مطالبة بتحمل مسؤوليتها الدينية والتاريخية والسياسية والقانونية تجاه المدينة وأهلها.

على المستوى السياسي والدبلوماسي:

المشاركة في مساندة الجهود الفلسطينية والعربية والدولية في توثيق و رصد ومتابعة للانتهاكات الاسرائيلية ضد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في القدس المحتلة.، وتستطيع الدول العربية من خلال المنابر الدبلوماسية الدولية إيقاف مسلسل التهويد والتهديد للمدينة وعروبتها، من منطلق ان القوانين الدولية والمعاهدات تضمن عروبة المدينة وشخصيتها،فالدول العربية بإمكانها أن تتسلل الى الأمم المتحدة لتعري سياسات الاحتلال وارتكابه جرائم حرب ممنهجة من خلال الاعتداءات المتكررة على المدينة ومقدساتها التي كفل حمايتها القانون الدولي، ومن المهم الإشارة الى أن مدينة القدس القديمة مكفولة بالحماية ضمن القرارات والمعاهدات الدولية كذلك هي مسجلة على لائحة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، وكذلك على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ العام 1982 وأيّ مساس بعروبة المدينة وشخصيتها يخالف المواثيق الدولية.

يبدو من المهم اتخاذ موقف عربي موحد تجاه الثوابت بخصوص عروبة مدينة القدس والتأكيد على إنها أرض عربية محتلة حسب قرارات الشرعية الدولية وضرورة مخاطبة كل المرجعيات الدولية والقوى الدولية الفاعلة بهذا الخصوص.

على مستوى المؤسسات والمنظمات الدولية: وهناك الكثير من المؤسسات المتنوعة على مستوى العالم العربي تقوم بدور مواز للحكومات في دعم قضية القدس، وهذه المؤسسات لديها ميزانيات وتكرّس جهودها في خدمة عروبة المدينة المقدسة واهلها واستطاعت هذه المؤسسات أن تكون سندا للمقاومة وتحمل شعلة الدفاع عن المدينة بأكثر من طريقة، وليس شرطا ان تكون هذه المؤسسات والنظمات ذات طابع سياسي، فقد تكون قانونية وعمرانية واجتماعية وإغاثية.

ولا نقلل من دور جامعة الدول العربية بكل تأكيد وذراعها الهام واعني “المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم” في المحافظة على هوية وعروبة المدينة من خلال العديد من المشاريع والبرامج التي يتم تخصيص ميزانيات مهمة لها من شأنها المحافظة على عروبة المدينة وصون تراثها المقدس.

كذلك من المهم دعوة الدول العربية إلى العمل على التواصل مع الهيئات والجمعيات والمنظمات داخل مدينة القدس وإيصال الدعم لهم بمختلف أشكاله، وتثبيت سكان القدس على ارضهم للحيلولة دون تهجيرهم وتفريغ الأرض العربية في القدس من اهلها، وهنا جدير بالاهتمام التصدي للمحاولات الاستيطانية بكافة الطرق من منطلق عدم شرعية الاستيطان في مدينة القدس وقد رأينا الاعتداء الهمجي الاستيطاني على احياء البلدة القديمة في حيّ الشيخ جراح وحي سلوان وغيرها في الأشهر الفائتة وقبلها الاعتداء على حيّ المغاربة والاحياء العربية التي ترسخ الهوية العربية للمدينة وتضفي عليها طابعها الحقيقي.
على المستوى الإعلامي والثقافي: فإن الدول العربية بكل مكوناتها يفترض ان تتصدى إعلاميا للدفاع عن عروبة القدس من خلال كل الوسائل الإعلامية المتاحة، وهناك قنوات عربية مهمة تستطيع إيصال الصوت لكل العالم وبأكثر من لغة، كذلك استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لدعم قضية القدس وعروبتها من خلال وسائل التعبير المختلفة سواء بالفيديوهات أو الصور أو الأدب أو المسرح أو السينما او القصص والروايات والمهرجانات والندوات والمحاضرات وحتى تخصيص المواد الجامعية كمتطلب اساسي كما هو الحال في الجامعات الأردنية التي اعتمدت مادة تاريخ القدس من بين متطلبات الدراسة الجامعية فيها. وهناك اهمية لإقامة أسابيع ثقافية وجوائز باسم القدس في مختلف المدن العربية .وتقديم الدعم الفني والعلمي والمادي الى الوزارات والمؤسسات والهيئات الفلسطينية المعنية بالحفاظ على الهوية الثقافية الفلسطينية وصيانة التراث المادي وغير المادي والطبيعي الفلسطيني ودعم المؤسسات الثقافية الفلسطينية في تنفيذ مشروعاتها ذات الاولوية.
كذلك على الدول العربية أن تتبنى شعار “القدس عاصمة فلسطين” في كل فعالياتها، وهذا الأمر تقوم به حاليا العديد من الهيئات الشعبية والمنظمات والإذاعات، وأن تضبط الإذاعات العربية توقيتها على توقيت القدس المحتلة، كأن تخصص الإذاعات على رأس كل ساعة مقولة “بتوقيت القدس العربية عاصمة فلسطين التاريخية”،ناهيك عن تخصيص مساحة دائمة لقضية القدس في وسائل الاعلام المختلفة.

كتب الكثير عن القدس برأيك هذا يكفي ؟
حظيت القدس باهتمام المؤرخين والسياسيين والمثقفين والفنانين والقانونيين ورجال الدين والشيوخ، وتنوعت المؤلفات عن المدينة وفاقت الكتابات عن القدس غيرها من المواضيع خاصة وان المدينة هي مركز الصراع وأرض الرسالات السماوية وما يعنيه ذلك من صفة عالمية لها، أما الكتابات والمؤلفات باللغة العربية فهي ثريّة وزخمة أيضا وشاملة لكل الجوانب ، ولعلّ تاريخ القدس استحوذ على اهتمام الباحثين والمؤلفين منذ اقدم الأزمنة باعتبار أن الصراع على المدينة قديم جديد ومتجدد ، والمشروع الصهيوني نفسه استند الى مقولات وادعاءات تاريخية ودينية ترجع للعهد القديم وتاريخ الشعوب القديمة. برأيي الأهم هو توثيق المدينة بكل تفاصيلها ورصد كل الحقائق بيوميات دائمة ضمن منهج علمي رصين، فالاحتلال على ما يبدو يراهن على تغيير روح المدينة وشخصيتها التاريخية من خلال طمس المعالم وتبديل الحقائق وخلق واقع ثقافي وسياسي جديد فيها لنفي أصالتها والعبث بشخصيتها الدينية والحضارية. لذلك أدعو كل المؤسسات البحثية والعلمية أن لا تغفل عن استمرارية العناية بالمدينة وتاريخها وحاضرها وتوثيقها بكل الطرق الممكنة وتصويرها بأفلام ووثائق وصور جوية وبرامج وثائقية وغيره.

القدس مدينة عربية كيف نوجه خطابنا للغرب لتثبيت هذه الحقيقة ؟
بنظري لا يمثل الغرب كله اتجاها واحداً ابتداءً، ولا يمكن التعامل معه وفقا لمنظور ايدولوجي بمعنى التغاير الحضاري، كذلك لا يمكن صوغ خطاب واحد لكل المنظومة التي تسمى “الغرب”. بهذا المعنى أرى أن التحولات الدولية التي تعيد تكوين العلاقات وموضعة مراكز القوى تفرض خطابا من نوع خاص، فقبل الحرب العالمية الثانية كانت القوى الغربية على رأسها بريطانيا وفرنسا لديها حسابات وتطلعات وتدخلات، وبعد الحرب الثانية تغيرت خريطة العالم فانكفأت بريطانيا وفرنسا، لتصعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، ومنذ التسعينات من القرن العشرين تبدل العالم كله في إطار منظومة واحدة تحت السيطرة الرأسمالية وثقافتها التي غزت العالم بأسره وباتت تفهم لغة واحدة وهي لغة التكنولوجيا والتفوق والرأسمالية. وفرضت مصالح جديدة واعتبارات تجعل الخطاب الممكن مختلفا عن المراحل السابقة، ومن المهم الإشارة الى أن اميركا في عالميتها ونفوذها تتبنى فكرة تفوق “اسرائيل” وأمنها في منطقتنا على حساب الكلّ الفلسطيني واجزاء كبيرة من عالمنا العربي. إننا بهذا المعنى أمام حالة لا نستطيع ان نقدم خطابا متزنا نديا بكل تأكيد، وبالمقابل هل المطلوب أن يكون خطابنا امام اميركا هزيلا استرضائيا نعبر فيه عن رغبتنا في التوسل والانبطاح لتجنب اي مواجهة محتملة، وهذا غير مقبول رغم أنه حاصل بكل أسف، وخاصة ان اميركا تقدم كافة أنواع الدعم لكثير من الدول العربية فهناك الدعم العسكري والسياسي والثقافي والعلمي وهكذا.

حدثنا عن كتابك ” التكوين السياسي في القدس ” الذي حصل مؤخرا عن جائزة ؟

كتاب “التكوين السياسيّ والتاريخيّ لمدينة القدس” للدكتور رياض حمودة ياسين

صدر في نهاية 2020 عن مؤسسة القدس الدولية في بيروت كتاب “التكوين السياسيّ والتاريخيّ لمدينة القدس” من تأليف الدكتور رياض حمودة ياسين. وفاز بجائزة مهرجان زهرة المدائن الرابع عشر في دورته بالقدس لعام 2021 كأفضل كتاب عن القدس.
الجائزة تعني لي الكثير إذ أنها تحمل اسم القدس وأي شرف ذلك ان يرتبط كتاب عن القدس بجائزة تكريمية تحمل اسم القدس. كذلك تساعد الجائزة في إدامة الوعي والاستمرار بالاهتمام بالمدينة المقدسة وتاريخها وحاضرها ومستقبلها نظرا لما تتعرض له من استهداف دائم واطماع لا تتوقف. والجائزة بحد ذاتها قيمة معنوية لأي مؤلف يرى فيها تكريما لجهد كبير قضاه باحثا وموثقا ومشغولا في إجلاء الحقائق ووضع النقاط فوق الحروف ،فيستحق أن يتم التعريف بجهده وتميزه وابداعه. وبالمحصلة فإن المؤلف يرى ثمرة جهده في تقدير المؤسسات والهيئات والأفراد واكثر من ذلك عندما يتم الاعتراف بتميز جهده فإنه يمضي قدما في تقديم المزيد من الإبداعات.

يتناول الكتاب تشكُّلَ التاريخ السياسيّ لمدينة القدس عبر العصور المتلاحقة، منذ العصر الكنعانيّ وصولًا إلى عصرنا الحالي.
اشتمل الكتاب على مقدمة وخاتمة وثمانية فصول وقد اعتنى المؤلف بتوثيق المعلومات بصورة علمية ومنهجية واستعان بمصادر ووثائق وقدم قراءة مختلفة ومختلفة حول الموضوع.

تناولت الكثير من الدراسات تاريخ مدينة القدس منذ أقدم العصور حتى التاريخ المعاصر، و استحوذت على معظم الدراسات النواحي الدينية والايدولوجية المرتبطة بالصراع العقائدي على المدينة على حساب فهم التاريخ السياسي للمدينة ودوره في الصراع القائم،ومن المعلوم أن إنكار البعد السياسي لمدينة القدس، أو محاولة تجاهله والتقليل من شأنه أو توظيفه لحساب فكرة الصراع على أسس دينية وعقائدية، هو السمة العامة لكثير من الدراسات التي تناولت تاريخ المدينة.
ويلاحظ على معظم الدراسات التي تناولت مدينة القدس وتاريخها أنها تفتقر الى التوثيق العلمي والاعتماد على المصادر والوثائق لكل حقبة تاريخية،الامر الذي يجعل معظم هذه الدراسات تجانب الناحية العلمية والموضوعية وتذهب اكثر باتجاه التحيز او المبالغة او ترديد مقولات واخبار مجتزأة طبعت المدينة المقدسة بطابع معين على حساب الابعاد التاريخية والحضارية لشخصية المدينة العظيمة التي على مايبدو تجاوزت المدن الاخرى في فرادتها وخصوصيتها.
يعتني هذا الكتاب بعرض التطور التاريخي لمدينة القدس من الناحية السياسية والدلالات السياسية لكثير من الحوادث المهمة التي مرت على المدينة،بحيث أن الأبعاد السياسية لم يتم دراستها في سياق موضوعي محايد وغالبا تكون متأثرة بالانحياز الأيدولوجي، كون المدينة تهمّ أكثر من أمة ثقافية.
يغوص الكتاب في تاريخ القدس القديم، ولاسيما مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، ليرسم ملامح حضور الشخصية الكنعانية لفلسطين والقدس. ثمّ يستعرض الأقوام والشعوب التي سكنت القدس، مبيّنًا أنّ العنصر العربيّ الكنعانيّ بقي عاملًا ثابتًا على مدار العصور التي شهدت فيها القدس تنوعًا في الغزاةِ والمحتلّين، في حين كان الحكم اليهوديّ للقدس طارئًا وقصيرًا لم يدم سوى نحو 70 عامًا.

ويستفيض الكتاب في استعراض تاريخ المدينة في عهد الدولِ الإسلاميّةِ المتعاقبة، منذ الفتحِ الإسلاميّ لها حتى الاحتلال البريطانيّ عام 1917، ذاكرًا أبرز الأحداث التي شهدتها المدينة المقدّسة، واهتمام المسلمين بها. وسلّط المؤلف الضوء على سقوط القدس بيد الصليبيّين، وجهود تحريرها التي تُوِّجت بالفتح الصلاحيّ الأيوبيّ عام 583 هـ/1187 م.

ويتوقف الكتاب عند المرحلة التي وقعت فيها القدس تحت سيطرة بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى حتى تأسيس كيان الاحتلال في أيار/مايو 1948، ويبرِز دور بريطانيا في تسهيل استيلاء اليهود على أراضي القدس، ودعمها للعصابات الصهيونيّة.

ومن واقع خبرة عمليّة، واطلاع معرفيّ، يعرِّج المؤلف على الدور الأردنيّ في القدس في قراءة سياسية تحليلية، ولا سيّما بين عامي 1948 و1967، مركزًا على المسجد الأقصى، ومفهوم “الوضع القائم” الذي يعني حصرية الإدارة الإسلامية للأقصى، مبينًا سعي الاحتلال إلى نسفِ هذا المفهوم، وفرض سيطرته الكاملة على المسجد.

ويقدّم الكتاب إحاطة تاريخية سياسية للقدس في القانون الدوليّ، مستعرضًا أبرز القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية حول القدس، وحيثيات هذه القرارات.
وختم المؤلف فصول الكتاب بالحديث عن القدس بين مشاريع التسوية والمواقف الدولية وعرض للطروحات المستقبلية للمدينة في ظل توازن القوى والواقع القائم.

ماذا تعني لك القدس ؟
بوابة الأرض الى السماء.

هل استطعنا قانونيا الدفاع عن القدس في المحافل الدولية ؟
المعركة القانونية والسياسية مستمرة، فالاحتلال مازال جاثما على أرضنا في فلسطين، اما البعد القانوني فله خصوصية، صحيح أننا لم نستطع حماية المدينة والدفاع عنها قانونيا كما هو مطلوب لكننا على الأقل نذكر ونضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته السياسية والتاريخية والإنسانية والأخلاقية، وتبقى الاتفاقيات والقرارات الدولية مرجعية مهمة في حال كانت هناك إرادة دولية حقيقية لحل النزاع وإعادة الحقوق الى اصحابها.

من منطلق المركز القانوني لمدينة القدس اي المركز التقليدي الذي رسخه قرار التقسيم المشار إليه مفتتح الحديث هنا، فإن “اسرائيل”باتت بحكم القانون الدولي تعترف بالوضع الخاص للأماكن المقدسة في القدس والتي خضعت فعليا للسيطرة الأردنية، على الرغم من وجود قرار التقسيم الذي ينص على فصل المدينة وتدويلها، فلم تستطع اسرائيل المناورة والمطالبة بالسيطرة على القدس الشرقية من منطلق انها تدرك احتلالها للشطر الغربي من المدينة عام 1948 ، ودلالات ذلك كونه يمثل اعتداءً صارخا على القانون الدولي. وهنا تم تجاوز مسألة “المركز القانوني لمدينة القدس” كما طُرح في قرار التقسيم لعام 1947م، ونُسخت فكرة التدويل بصيغتها الاولى ليبدأ الحديث عن الوضع القائم أو الوضعية الحالي أو الامر الواقع او الوضعية الأصلية.

إن مسألة القدس ومكانتها القانونية لم تحسم منذ القرار رقم 181، المتعلق بالتقسيم القدس وتدويلها. ورغم وصاية الأردن وسياسة الامر الواقع المتعلقة بالمقدسات في القدس، فقد ظل الجدل القانوني والسياسي قائما بخصوص مدينة القدس ومقدساتها حاضرا حتى بدأت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وتم توقيع إعلان المبادئ في 13-9-1993م، حيث تم الاتفاق على أن تكون قرارات مجلس الامن 242 و 338 اللذان يتناولان الاراضي الفلسطينية التي احتلت سنة 1967م هي المرجعية فقط، إذ أصبح واضحا ان المقصود بالقدس يعني “القدس الشرقية”.

فالقدس الشرقية المحتلة عام 1967م، من وجهة النظر العربية والاردنية منطقة محتلة بموجب القانون الدولي، واسرائيل وفقاً لأحكام القانون الدولي تعتبر قوة محتلة، قامت باحتلال القدس وباقي الأراضي العربية المحتلة بالإستناد للقوة ، وأن الإحتلال معرف تعريفاً واضحاً في المادة 42 من اتفاقية لاهاي لعام 1907، حيث ينطبق عليها قانون الاحتلال العسكري والقانون الدولي الانساني، وبالاخص اتفاقيات جنيف الرابعة لحماية المدنيين اثناء الحرب، ولاهاي لعام 1907،وغيرها.

اقرأ المزيد

كيف نتعامل مع الظالم كتبت لطيفة القاضي

الإعتذار من شيم الكبار بقلم:لطيفة محمد حسيب القاضي

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.