المؤامرة تحت مجهر الإدراك بقلم الكاتب الروائي مدحت شنن

المؤامرة تحت مجهر الإدراك..
بقلم المحامي والكاتب الروائي/ مدحت شنن..

التاريخ خير مُعلم لمن أراد إدراك الحقيقة, والاستفادة من التجربة, والمُستفاد من قصص التاريخ – عبر صفحاته المتجذرة منذ أزمنة سحيقة – أن المؤامرات لا تُدبَّر إلا ضد الأقوياء الذين حجزوا لأنفسهم على أرض الإنجاز أكرم ركن, ، ذلك لأن الفاشل الضعيف لا يَلفت النظر, ولا يؤثر في محيطه, ولا يهابه الآخرون, أو يعيرونه أدنى اهتمام, لذا فهو آمن من المكائد, خارج نطاق الغيرة وبعيدا عن بؤرة المؤامرات.

وما تتعرض له مصر من مؤامرات تُنسج بليل من أجل إسقاطها, ليس بغريب في ظل اتجاهها بخطى متسارعة نحو الإنجاز, وبناء دولة قوية قادرة على مواجهة المستقبل بإشكالياته وعقده, والتاريخ خير شاهد على ذلك, فمتى كانت مصر قوية ناهضة, كانت عُرضة للدسائس والمؤامرات من دول وكيانات, تقبع في سلة قمامة مهملة أسفل سفح الهرم الأكبر, ذلك لأنها مهد الحضارة وعرابة التاريخ, وشتان بين تاريخها العريق, وتاريخ تلك الكيانات المتطاولة على أم الدنيا وسيدة الأرض.

تقسيم المنطقة العربية

إن من يدعي أنه لا توجد مؤامرة على الوطن, وأنها مجرد ذريعة لتبرير الإجراءات التي تقوم بها الدولة, فهو إما مُغيب جاهل, أو مضلل كاذب, لأن المؤامرة وُجدت منذ مطلع التاريخ، وتاريخ العلاقات الدولية يضج بالمؤامرات، وإنشاء دولة إسرائيل، وتقسيم المنطقة العربية عبر اتفاقية «سايكس بيكو»، والعدوان الثلاثي على مصر، وصولاً إلى الدور المساند للإسلام السياسي, في مواكبة اندلاع انتفاضات ما عُرف بـ«الربيع العربي», تمثل تجارب حقيقية لمؤامرات شاخصة أمام العين كجبل شاهق.
فلم يكن العدوان الثلاثي سوى مؤامرة مكتملة الأركان ضد مشروع عبدالناصر القومي، فكان العدوان من الدول الثلاث مؤامرة لازمة لوقف دولة نامية ترنو نحو التطور.

ولم يكن ما فعلته قطر وتركيا، ودول أخرى, من دعم وتأييد وتمويل للتيارات الدينية المتشددة في أكثر من بلد عربي، حين ضربت المنطقة تطورات دراماتيكية مع مطلع العقد الحالي، سوى مؤامرة مكتملة الأركان، على مستقبل تلك البلدان وهوياتها الوطنية.

وفي ذات السياق تثور عدة أسئلة بشأن ما حدث في مصر عام 2011..

كيف تم التنسيق بين عمليات التظاهر وفتح السجون وتهريب السجناء الخطرين؟ وكيف تحولت الثورة إلى مطية لجماعات أصولية, طامعة في السلطة تحت شعار الدين؟

وكيف تدخلت دول إقليمية وغربية، ونسقت، ودعمت، ومولت جماعات إرهابية، وغطت ممارستها للعنف؟ وكيف نسقت تلك الدول نفسها مع فصائل في الداخل، لكى تتزامن العمليات الإرهابية في الوادي مع أخرى في سيناء، مع ضغوط سياسية في المحافل الدولية، وأزمات تتفجر من كل جانب, وحملات من منظمات مجتمع مدني مشبوهة، وآلة إعلامية ضخمة تسخّر جُلّ مجهودها للإضرار بصورة الدولة، ودعوة مواطنيها للعصيان وممارسة العنف ضد السلطات؟
إن هذه الأسئلة تحمل في ثناياها الدليل على أن مصر تعرضت بالفعل ومازالت تتعرض لمؤامرات تستهدف تقويضها، وإفشالها، وزعزعة استقرارها وكبح جماع تطورها وتقدمها.

وترتيبًا على ذلك فالأدلة من وحي التاريخ القريب كثيرة, تقطع بأن الوطن يتعرض لمؤامرات, خصوصًا منذ يناير 2011.

وصار يقينًا لا يقبل الشك, أن مصر تتعرض لمخطط يستهدف استدراجها, إلى صراعات مهلكة, تستنزف مواردها, وتُعطل نموها وتطورها, ذلك لأن كل إنجاز يُزعج هذه العصابة, وكل تطور يمثل كابوسًا يقض مضاجعهم, ويحرمهم النوم, لأنهم يدركون أنه لا حياة لمشروعهم الاستعماري في وجود مصر.

مخطط لاستمرار الفقر وانتشار التخلف

ومن أجل ذلك تقوم استراتيجية ذلك المخطط على استمرار الفقر وانتشار التخلف وإضرام الفتن ونشر الإرهاب, تمهيدًا للفوضى التي تقضي على كل شيء, من خلال خلق صراعات ضاغطة على الأمن القومي المصري, لتنفيذ مشروعات ومخططات إقليمية كبرى تتبناها إسرائيل وقطر وتركيا, ودول أخرى وميلشيات وقوى عميلة لها.

هذه القوى تجتهد من أجل نصب الشراك, لاستدراج الوطن إلى مواجهات وصراعات تقضي على مقدراته, وتهدد وجوده, بخلق أزمات تتفجر في كل ركن وبطول حدوده شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

ففي الجنوب تقود تهديدًا وجوديًّا لمصر يتعلق بحياة المصريين, من خلال العبث بملف المياه ودورها المشبوه من أجل تعقيد أزمة سد النهضة, بالسيطرة على القرار الإثيوبي – من خلال الدعم المادي السخي – ليتبنى رؤيتهم وينفذ أجندتهم التي تستهدف تركيع مصر.

وفي الشرق تقود تلك القوى تهديدًا وجوديًّا لأمن واستقرار مصر, بواسطة جماعات إرهابية, تمولها تلك القوى, لنشر الموت وقبض الأرواح, وتحقيق الدمار دون رحمة أو هوادة.

وفي الغرب تقود تهديدًا وجوديًّا, للأمن القومي المصري, من خلال تأجيج الأزمة الليبية, بواسطة حكومة الوفاق, وميليشيات القاعدة, ومرتزقة داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية, التي تتوق شوقا إلى فرصة اختراق الحدود المصرية, لترتع في أركان الوطن كفئران قارضة.

وفي الشمال, تقود تهديدًا وجوديًّا لسيادة مصر على ما يخصها من البحر المتوسط, بخلق صراعات وأزمات من أجل سلب الغاز والتنقيب عن الخيرات القابعة في الأعماق.

غير أن القاسم المشترك في كل هذه التهديدات – رغم تنوع أماكنها وطبيعتها – أن فاعلها واحد وهدفها واحد, فرغم أن فاعلها الظاهري دول وكيانات مثل إثيوبيا في أزمة سد النهضة, وحكومة الوفاق والقاعدة وداعش في الأزمة الليبية, وكتائب بيت المقدس والجماعات الإرهابية الأخرى في سيناء, إلا أن الحقيقة الثابتة أن هذه الدول وتلك الكيانات, مجرد مرتزقة, متسولين, عرائس ماريونت تُمسك بخيوطها كل من إسرائيل وقطر وتركيا, وبعض الدول التي تكن العداء لمصر, فتحركها كيفما تشاء ووقتما تشاء, من أجل تنفيذ مشروع استعماري فج, لا يحيا إلا على الدماء وجثث الناس.

ورغم تلك البؤر الملتهبة, وعلى كل الجهات تجتهد القيادة السياسية ويجتهد الجيش المصري, من أجل التصدي لهذه المؤامرات ومواجهة الأخطار التي تحيط بالوطن من كل جانب, بهدف إسقاطه, غير أن هذا الجهد يحتاج ظهيرًا شعبيًّا قويًّا, يُدرك تلك المؤامرات ويعي أبعادها, ويسعى بكل قوته خلف قيادته وجيشه من أجل ردها, وهذا لن يكون إلا بخلق جيل واعٍ يدرك ويفهم, ومن ثم يقرر ويتصدى ثم يرد.

ذلك لأن إدراك المؤامرة أساس التصدي لها, وجوهر الرد عليها, حتى لا تُترك أفكارًا شاذة لتهيمن على العقل الجمعي, فتسلبه وتشل تفكيره, وتوجهه نحو اتجاه معاكس لمصالح الوطن, لذا فتسليط الضوء على المؤامرة والحشد لمواجهتها, لا يستقيم بدون إدراك لأُطر العمل الضرورية, التي تبدأ بالتوعية العامة للجمهور والمؤسسات.

التوعية من أجل تحقيق

ومن هنا كان لزامًا علينا أن نساهم في عملية التوعية, من أجل تحقيق الفهم وبلوغ الإدراك, بما يُنسج لهذا البلد من شراك, ومؤامرات, لم تكن وليدة السنوات العشر الماضية, وإنما يمتد تاريخها لما يقارب قرن كامل, ليكون كل مصري واعيا بأصل المؤامرة وهدفها وخطواتها, وتحركات الإدارة المصرية بشأنها, حتى نظل على يقظة دائمة قادرة على التصدي ومن ثم الحماية ثم الردع, لأنه لا يهزم مستعمر غاصب, شعبًا يقظًا واعيًا, ينبع عطر ذاكرته من عطر وطنه, الذي لا يمثل له مجرد أرض بحدود, ولكنه يمثل تاريخ الإنسانية كله, فمصر خليقة أن يُحسَب لها حساب حين تتكلم, وأن يُحسب لها حساب حين تُفاوض, وأن يُحسب لها حساب حين تثور وتغضب, وأن يحسب لها حساب حين تُقرر, لأنها أرض الخير للبشرية جمعاء, إذا جاءها متقلب في محنة, ردته عزيزًا سيدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.