المزج بين القديم والحديث في القالب الروائى. في رواية نقوش على جسد ناعم

بقلم/إبراهيم معوض

المزج بين القديم والحديث في القالب الروائى.
في رواية نقوش على جسد ناعم للأديبة / مرڤت البربري

بقلم/ إبراهيم معوض

مقدمة:

ما من قلم إلا وكتب عن المرأة ولكن مساحة التميز توجد حيثما وجد الاختلاف وسط غابات الأقلام المتشابهه. فقد تعودت أنه عندما تكتب المرأة عن المرأة تنتصر بطبيعة الحال لها وتبرزها في زي القديسة وتجعل من الرجل شيطان رجيم، ولكنني بلا مجاملة وجدت نفسي أمام نص مختلف بالرغم من أنه قد كتب بقلم نسائي ويتحدث عن المرأة لكنه قد تناول الأمر بطريقة مغايرة وكأنما يلقي بتبعات الفشل على كلا الطرفين، فالمرأة أصابت وأخطأت والرجل أصاب وأخطأ، فلم تبرر الكاتبة للأخطاء مهما كانت وإنما أسست لقاعدة هامة ينطلق منها الإنسان عموما نحو النجاحات الكبيرة وهي عدم الاستكانة لليأس وعدم استمراء الهزائم، وكأنما تقول بلسان بطلتها “سهر” كوني مشاغبة ولا تموتي في هدوء. انطلقي حيث التحرر والثورة ولا تركني لقوة تقهرك..

عن الرواية:

نقوش على جسد ناعم

عنوان روائي جذاب لرواية عربية مميزة.

رواية اجتماعية رومانسية تشابكت فيها الأحداث وتلاحمت بؤر الصراع في مساحة محدودة لأسرتين فقط (اسرة سهر وأسرة منى) وكان الرابط بينهما علاقة الصداقة الوطيدة بين المرأتين، ثم صعدت بالخيط الدرامي لأسرة سهر إلى نهايته بدءا من قصة حبها القديمة بزميلها في الجامعة ثم زواجها التقليدي غير المتكافئ من رجل آخر ورضاها بأن تكون أما فقط، وخنوعها لحياة زوجية مهترئة للحفاظ على الأسرة شكلا دون الجوهر، وفي الجهة المقابلة تمر منى بنفس القدر وكأنه قد كتب على بنات جيل كامل وإن كان حظ منى كان الأكثر سوءا لوقوعها ببن براثن رجل لا يرقب فيها إلا ولا ذمة ولكن على كل حال هذه وتلك قد تساووا في سوء الحظ والصبر والحلم الممزق، اختارت منى الخنوع والحفاظ على وجود الأسرة قائمة بظل رجل، في الوقت الذي انهارت فيه سهر ووقعت فريسة للمرض النفسي فلم يتحمل جهازها العصبي في الوقت الذي تتحمل فيه منى ما هو أكثر شراسة وأشد ضراوة؛ ومن هنا ظننت نفسي قد وضعت يدي على البطلة الحقيقة فيهما وإن كان لكل منهن مواطن للبطولة المستحقة، حتى ظهر (د. وليد) في حياة سهر ظننت أن هذا الخط سينحني في طريق “آنا كارنينا” للكاتب العالمي تولستوي ولكنه استقام في طريق مغاير بعد افتتاح معرض اللوحات للفنانة سهر ومعرفة نقطة قوتها التي انطلقت من خلالها إلى حياة اخرى حتى قالت اكثر من مرة على لسان ابطال كثر “لم تعد سهر التي عرفنا”
أرى أن في هذه المنطقة تحديداً بدأت الكاتبة تترك العنان للقلم ليكتب وحده؛ فهنا تحررت من القيد القصصي والشكل البنائي للحكاية لتكتب تحليلا نفسيا دقيقيا للبطلة التي اختارتها هي بغض النظر عن آراء واختيارات الآخرين.
سهر تلك الحالمة الرقيقة الناعمة ذات الجمال الهادئ التي تربت في اسرة لا وجود فيها للمرأة إلا من خلال تطبيق معايير السمع والطاعة وقد وضحت ذلك في الفصل المعنون “كما تحب” هل يمكن لها أن تتخلص من قيود الموروث الثقافي ومن قيود المرض النفسي الذي عجز الطب عن مداوته لتقف وتختار وتقرر وتقبل وترفض؟
أجابت الكاتبة عن هذا السؤال بكل بساطة من خلال حبكة روائية عالية الجودة أن نعم، بل وبررت إجابتها ودعمتها بأسباب نفسية وأخرى إجتماعية وثالثة ثقافية موروثة.
من خلال رسائل مغلفة بين سطور روايتها
• بالفن يتخلص المجتمع من قيوده وجموده.
• ‏بالحب يسمو الإنسان فوق الامتلاك.
• ‏ما من مقهور إلا ويمتلك داخلة قوة ولكن قهره قد جاء بسبب عدم مقدرته على إكتشافها.
• ‏لايمكن للحياة أن تستقيم بالمادة فقط وإلا كانت جسدا بلا روح وروح الحياة في الحب والفن.
الحكاية: ظاهرها البساطة وباطنها حمولات من المعاني يتجلى في الجزء الاخير وخصوصاً في مسألة اظهار أن من انتصرت على همومها وآلامها لم تكن سهر العادية وإنما انتصرت الذات المبدعة أمام السيل الجارف من القبح، فكانما تعلن انتصار الريشة والقلم، في إشارة مطوية من الكاتبة إلى أهمية الإبداع وأنه يجب الإهتمام به كقوة ناعمة لينهض المجتمع ككل كما نهضت سهر التي وصفتها بأنها كانت مهشمة تماماً من الداخل والخارج..
‏أدركت حلولا لمشكلتها حينما حجم موهبتها الطبيعي.
‏دعوة للتأمل والتفكير الإبداعي كحل ساحر لكل المعضلات الكبرى..
‏اللغة: سلسة وبسيطة بعيدة عن المفردات الجامدة وجاءت مناسبة لواقع السرد ولطبيعة الشخصيات. وإن غلبت المقاطع الحوارية على المقاطع السردية إلا أن الكاتبة استخدمت لغة حوارية وسطي بعيدة عن العامية الصريحة وقريبة من الفصحى المتينة. فكانت أكثر إمتاعا.
الاحداث: تصاعدت الأحداث بشكل تلقائي غير متكلف؛ وبدت المقاطع السردية خادمة للأحداث بشكل كبير إلا أنني أرى أن هناك شخصيات تم تهميشها تماما بشكل مقصود وكأنما الكاتبة كانت تتعمد ذلك لتقليل عدد الصفحات بالرغم من أن الفضاء الروائي يتيح لها الكتابة أكثر ولكنني أظن أنها قصدت أن تقدم وجبة روائية دسمة وقليلة في الوقت نفسه؛ فعلى سبيل المثال شخصية اخت منى مرت عليها مرور الكرام بالرغم من أنها كانت مادة روائية مازال فيها الكثير من الكلام لم يكتب.
‏الشخصيات: رسمت الشخصية الرئيسية بعناية وجعلت من حولها شخوص خادمة وأخرى داعمة وأخرى متصارعة بشكل جميل مما ساعدها على تطور هذة الشخصية ونضجها وصولا إلى لحظة التتوير وكسر القيود المفروضة عليها من الآخرين على اختلاف صلاتهم بها.
الراوي: استخدمت الكاتبة تقنية الراوي العليم وكأنما تريد بث الافكار بشكل مباشر دون زيادة ولا نقصان؛ وكنت أفضل أن يكون الراوي مشاركا عليما كأن يكون سهر نفسها.
النهاية: تعمدت الكاتبة ترك النهاية مفتوحة على عادة بعض الكتابات الروائية الحديثة وذلك لخلق مساحة للتفكير والإبداع من جانب القارئ فبهذه النهاية استطاعت الكاتبة أن تحدث خلقا جديدا بين مزج الكلاسيكية المتمثلة في الحوار والحداثة الموجودة في ترك النهاية للقارئ كي يتمها كل على هواه الشخصي. ومن هنا وضحت رسالة الكاتبة الإبداعية التى تود ان تقول فيها أن الحداثة لا تعني الانزلاق في مهاوي الاسفاف وإنما يمكن للكاتب أن يصنع الشكل الحديث في قالب منضبط يعطي المتعة ويعمل العقل في آن واحد.

إجمالا: نحن أمام تجربة قصصية فريدة تحتاج منا الوقوف والتأمل فهي من الروايات القصيرة التي تمنيت أن لو طالت.

وفي النهاية: خالص تمنياتي للكاتبة الراقية بدوام التوفيق والسداد….

 

قد يعجبك ايضآ