النَّبِيُّ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

النَّبِيُّ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

 بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف

يقول الله تعالى في محكم آياته :

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا

سورة الاحزاب

في هذه الآية الكريمة تكريمٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومؤانسةٌ له، وبيانٌ لمكانته صلى الله عليه وآله وسلم؛ بوصفه تعالى له بأنه سراج منير يهدي السائرين ويرشد الحيارى والضالين، وبأنه قائم بالشهادة على الناس يقيم حجة الله تعالى على خلقه بتبليغ رسالته وتوصيل دعوته؛ يبشر من آمن بالله، وينذر من كفر به. فقد وصفه الله تعالى في هذه الآية بعدة أوصافٍ؛ كلها كمالٌ وجمالٌ وثناءٌ وجلالٌ، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج المنير الوضاء الذي بدَّد الله به ظلمات الضلال، ونشر السلام، وطارد الظلم والظالمين، وقضى على الشرك والمشركين، حاملًا مشعل الهداية، وسراج الإيمان، ومنارة العدل، وبركات السلام، وصدق الله العظيم إذ يقول:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۞ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

المائدة: 15-16

إنها كلمات مضيئة توضح بجلاء مهام الرسول صلى الله عليه وسلم :

وأولها : شاهد على الأمة أمام الله بعدما أكمل المهمة ونصح الأمة وبلغ الرسالة خير بلاغ .

وثانيها : مبشر للمؤمنين بجزيل الثواب في الدنيا والآخرة والنصر والتمكين والثناء الحسن في الدارين إن هم استقاموا على طريق الله تعالى .

وثالثها : نذير لكل من عارض كلمات الله أو رفضها أو عاداها أو تكاسل عنها , مذكر بوعيد الله للكافرين والمنافقين والعصاة بنار لا تطاق.

ورابعها : داعية إلى منهج الله لا يفتر ولا يكل , قضى حياته في سبيل الله منذ بعثه الله إلى أن توفاه.

وخامسها : سراج منير في ظلمات الجهل والشرك والظلم , ينير للخلق دربهم ،ويدلهم على خالقهم ومنهجه القويم وصراطه المستقيم، فمن أطاعه واتبعه ،فله البشرى العاجلة في الدنيا ، والنعيم المقيم في الآخرة , وفضل من الله ورضوان، أما من أبى إلا العناد والاستكبار ،إما ظاهراً وباطناً من الكافرين أو باطنا مع نفاقه الظاهر بحركات الإيمان من المنافقين ، فلا ولاء له ولا طاعة ،والأولى عدم الاكتراث بأذاهم ،والتوكل على الله وحده، فهو من يملك الحماية والعافية التامة للمؤمنين، قال الله تعالى :

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

سورة الأحزاب

وقال السعدي في تفسيره : هذه الأشياء، التي وصف الله بها رسوله محمدًا صلى اللّه عليه وسلم، هي المقصود من رسالته، وزبدتها وأصولها، التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: أحدها: كونه {شَاهِدًا } أي: شاهدًا على أمته بما عملوه، من خير وشر

كما قال تعالى:

{ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }

سورة البقرة

وقوله تعالى :

{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}

سورة النساء

فهو صلى اللّه عليه وسلم شاهد عدل مقبول. الثاني والثالث: كونه {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} وهذا يستلزم ذكر المبشر والمنذر، وما يبشر به وينذر، والأعمال الموجبة لذلك.

فالمبشَّر هم: المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي الأخرى بالنعيم المقيم. وذلك كله يستلزم، ذكر تفصيل المذكور، من تفاصيل الأعمال، وخصال التقوى، وأنواع الثواب.
والْمنْذَرين : هم المجرمون الظالمون، أهل الظلم والجهل، لهم النذارة في الدنيا، من العقوبات الدنيوية والدينية، المترتبة على الجهل والظلم، وفي الأخرى، بالعقاب الوبيل، والعذاب الطويل.

وهذه الجملة تفصيلها، ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم، من الكتاب والسنة، المشتمل على ذلك. الرابع: كونه { دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} أي: أرسله اللّه، يدعو الخلق إلى ربهم، ويسوقهم لكرامته، ويأمرهم بعبادته، التي خلقوا لها، وذلك يستلزم استقامته، على ما يدعو إليه، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وذكر أنواع العبودية، والدعوة إلى اللّه بأقرب طريق موصل إليه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإخلاص الدعوة إلى اللّه، لا إلى نفسه وتعظيمها، كما قد يعرض ذلك لكثير من النفوس في هذا المقام، وذلك كله بِإِذْنِ الله تعالى له في الدعوة وأمره وإرادته وقدره. الخامس: كونه {سِرَاجًا مُنِيرًا} وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم. فأصبح أهل الاستقامة، قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة.

وقوله تعالى :

{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}

ذكر في هذه الجملة، المبشَّر، وهم المؤمنون، وعند ذكر الإيمان بمفرده، تدخل فيه الأعمال الصالحة. وذكر المبشَّر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدَّارَّة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربه

وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه. وهذا مما ينشط العاملين، أن يذكر لهم، من ثواب اللّه على أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع، كما أن من حكمه، أن يذكر في مقام الترهيب، العقوبات المترتبة على ما يرهب منه، ليكون عونًا على الكف عما حرم اللّه. ولما كان ثَمَّ طائفة من الناس، مستعدة للقيام بصد الداعين إلى اللّه، من الرسل وأتباعهم، وهم المنافقون، الذين أظهروا الموافقة في الإيمان، وهم كفرة فجرة في الباطن، والكفار ظاهرًا وباطنًا، نهى اللّه رسوله عن طاعتهم، وحذره ذلك .

فقال تعالى :

{وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ }

أي: في كل أمر يصد عن سبيل اللّه، ولكن لا يقتضي هذا أذاهم، بل لا تطعهم {وَدَعْ أَذَاهُمْ} فإن ذلك، جالب لهم، وداع إلى قبول الإسلام، وإلى كف كثير من أذيتهم له، ولأهله.

{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} في إتمام أمرك، وخذلان عدوك،{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} تُوكَلُ إليه الأمور المهمة، فيقوم بها، ويسهلها على عبده.

وفي قوله تعالى : (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا

سورة الاحزاب

فالسؤال هنا : لماذا وُصِفَ السراج بالإنارة؟

قال العلماء : وُصِفَ السِّراجُ بالإنارة؛ لأنَّ من المصابيح ما لا يُضِيء، إذا لم يُوجد به ما يُضيئه من زيت أو ما يُشبهه.

ووُصِفَ السراجُ بالإنارة؛ لأن من السراج ما لا يضيء إذا قَلَّ زيته، ودقَّت فتيلتُه، وكونه صلى الله عليه وسلم

﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾

[الأحزاب: 46]

فهذا يقتضي أن الخلق كانوا قبل مبعثه في ظُلمةٍ عظيمة، وليس ثمَّة نور؛ يُهتدى به في هذه الظلمات، ولا علم؛ يُستدل به في هذه الجهالات، حتى جاء اللهُ تعالى بهذا النبي الكريم، فأضاء اللهُ به تلك الظلمات، وعَلَّمَ به من الجهالات، وهدى به ضُلاَّلاً إلى الصراط المستقيم، وأمَدَّ اللهُ بنور نُبوَّتِه نورَ البصائر؛ كما يُمَدُّ بنور السراجِ الأبصار ، فأصبح أهلُ الاستقامة أعني بهم المتمسكين بهدي نبيهم وسنته قد وضَحَ لهم الطريق، فمَشَوا خلف هذا الإمام القائد العظيم صلى الله عليه وسلم، وعرفوا به الخيرَ والشر، وأهلَ السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم سبحانه وتعالى، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة .

قد يعجبك ايضآ