فضل شهر ذي القعدة بقلم : الداعية م/ بهيرة خيرالله

فضل شهر ذي القعدة

بقلم : الداعية م/ بهيرة خيرالله

– شهر ذو القعدة ؛ شهر فضيل ، فهو أول الأشهر الحرم ، كما قال تعالي : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36 ) } [ التوبة ] ؛ والأشهر الحرم هي : ” ذو القعدة ، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ” ؛ وسميت حُرُماً لأنه يحرم القتال فيها ؛ وهي معظمة تتضاعف فيها الطاعات وتعظم فيهن الذنوب ، فلا تظلموا في هذه الأشهر المحرمة أنفسكم بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم الله من المعاصي والآثام فإنها أشد حرمة ، فإن ذلك يوجب غضب الله تعالى وسخطه عليكم فلا تعرضوا أنفسكم له .

– ومن الحكم الإلهية فى جعل أشهر حُرم يمتنع فيها القتال ويسود السلام بأمر السماء ، أن أراد الحق أن يكون هذا السلام القهرى فرصة يتمكن الناس فيها من السفر للتجارة وللحج والعمرة ولا يخافون أحداً ؛ وهدنة تجعل المتحاربين يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلاف بينهم ويصفون النفوس ، بعد أن يتذوقوا طعم الأمن والسلام ، وقد أنهكوا بنيران الحرب من خسارة فى المال والنفس والعتاد والديار . فجاءت هذه الهدنة حتى يسهل الصلح بينهم ، ولا يظهر كل طرف أمام خصمه وقد ذلَّ وهان وضعف . هذا وقد تكون الحرب ضرورة للدفاع ، أو للضرب على أيد البغاة ، ووقفة للخير أمام الشر ، فلا حرب بين حق وحق ، بل الحرب تكون بين حق وباطل ؛ لذا لم يجعل الله العام كله حُرُمًا . هذا وقد أحل القتال فيها لدفع خطر أعظم ، إذا ما قوتلوا فيجب عليهم رد العدوان كما قال تعالي :{ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } [ البقرة ] ، وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة هوازن بحنين وثقيفا بالطائف بعد فتح مكة عام 8هـ , وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة .

– وذو القعدة أيضا أحد أشهر الحج كما قال تعالي : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ .. (197)} [ البقرة ] ؛ وهي شهر شوال وذي القعدة وذي الحجة ، وعند البعض عشرا من ذي الحجة ؛ فيهن يخرج الحجاج من أطراف الأرض لأداء مناسك الحج لله .

– وفي هذا الشهر الفضيل وقعت أحداث فى الإسلام ؛ منها “غزوة بني قُريظةَ” في العشرِ الأواخرِ من ذي القَعدةِ في السنةِ الخامسةِ للهجرةِ بعد غزوةِ الخندقِ ؛ تأديبا لليهود علي خيانتهم العظمي للعهد الذي كان أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم منذ قدم إلي المدينة ، فقاموا بفتح جبهة من ديارهم للأحزاب لينفذوا إلي المسلمين من وراء الصفوف ، فحاصر ديارهم وحصونهم خمس وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب ، ثم أمر بقتل الرجال وسبى النساء والأطفال وأخذ المال والسلاح . وهو ما جاء في قوله تعالي :{ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) } [ الأحزاب] .

– وفي ذي القعدة كانت العمرات النبوية الثلاث ، يضاف لها العمرة الرابعة التي كانت فى حجة الوداع التي خرج لها فى أواخر شهر ذى القعدة : ففيه كانت “عمرة الحديبية” عام 6 هـ ، وكان الخروج لها وفقا لرؤية منامية للرسول صلى الله عليه وسلم – ورؤية الأنبياء حقٌّ – أنه يدخل المسجد الحرام فى أصحابه ، ونزلت فيها الآية : ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) [ الفتح ] ؛ هذا وقد منعت قريش الرسول ومعه والمسلمين من دخول مكة لأداء العمرة ، فلما أحصروا تحللوا من إحرامهم فقصروا وحلقوا رؤوسهم ونحروا الهدي الذي اصطحبوه معهم هدية للبيت ، واحتسبت لهم عمرة ، كما قال تعالى : ( فإن أحْصِرْتُم فمَا اسْتيْسَرَ مِنَ الهَدْى ) [ البقرة:196] . ثم أنهم دخلوا مكة حسب شروط صلح الحديبية بالعودة لأداء العمرة فى العام التالي 7هـ فى نفس الشهر ولمدة ثلاثة أيام وأدوا نسكهم وسميت ” عمرة القضاء” ثم عادوا إلي المدينة . ويذكر أنه بعد تحلله صلى الله عليه وسلم من إحرامه تزوج بآخر أمهات المؤمنين ” ميمونة بنت الحارث ” . وبعد فتح مكة المكرمة عام 8 هـ ، وبعد غزوة حنين التي انتصر فيها المسلمون وبعد أن وزع الرسول صلى الله عليه وسلم غنائمها ؛ خرج إلي الجُعرانة فى 12 من ذى القعدة فأحرم منها ودخل مكة لأداء العمرة التي سميت “عمرة الجُعرانة” ، ثم رجع إلى الجُعرانة من ليلته ، ثم عاد إلى المدينة فى آخر ذى القعدة .

– وكان لموسي عليه السلام مع هذا الشهر حكاية ذكرها القرآن الكريم فى قوله تعالي : { وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) [ الأعراف] ؛ فذكر تعالى أنه واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة ليتلقى الألواح فيها التوراة ؛ فصام موسى عليه السلام شهر ذى القعدة بتمامه ، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة ليحسن رائحة فمه من أثر الصيام ، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين ليكون اللقاء الذي حصل فيه التكليم يوم العاشر من ذي الحجة ، وهو ” يوم النحر ” عند المسلمين ، وفيه أكمل الله الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم .

ولننظر في ثنايا هذا وحدة الأديان وارتباطها برب العالمين الذي بعث الأنبياء والمرسلين داعين إليه مبشرين ومنذرين .

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.