فوضي الجدل “الحياة جدل بين الذوق والتذوق”

37

فوضي الجدل “الحياة جدل بين الذوق والتذوق”

 

كتب: مؤمن الجازوي

 

ما أجمل النقاش عندما نخرج منه بفائدة قيمة، وما أبشعة عندما ينفض وتنفض معه القلوب التي اجتمعت على حب وتفرقت على بغض وكره وعناد، فكم من جلسة نقاش خسرنا بعدها أشخاص كنا نعدهم أصحاب وكم من موضوع نقاش كان نتاجه بغض في النفوس.

من هنا دعني أُوضح لك ما هو “الجدال” يقصد به المُحاجة أو المُناظرة واستعراض الآراء المدعومة بالحجج والبراهين التي تدعم رأي أحد المجادلين أو تدعم وجهة نظر على وجهة نظر الآخر… ومن المتعارف عليه بين البشر أن الإنسان بطبعه مدنى وبه طابع التأثير والتأثر، وأن الجدال هو طلب من أهم متطلبات هذا التفاعل، وهو أمر وجودة ضرورة من ضروريات الحياة لا غنى للإنسان عنها في تكوين ثقافته واتجاهه ورؤيته في الحياة وإثبات لنفسة ما هو الحق وثابت وما هو نسبي يتأرجح بين الإيجاب والنفي.

ذُكر في القرآن الكريم “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا” بهذه الآية نعلم أن الجدل هو غريزة وجدت بوجود الإنسان.
وكما ذكر أحمد خالد توفيق “هناك من يحبون الجدل لمجرد الجدل ، ويجب أن أعترف أنني طيلة حياتي الطويلة لم أر شخصا يقتنع برأي شخص آخر بعد أي جدال ، أتمنى لو وجدت الشخص الذي يقول في تواضع معك حق ، لقد كنت مخطئا”

الجدل الناجح والمناقشة التي تؤدى إلى نتيجة معناها أن هناك شيء في الأساس متفق عليه ومن المبادئ المسلم بها، ولو لم يكن هناك شيء من الأساس ولا لمبادئ متفق عليها فسيكون النقاش عبث.
لو كان الخصم يريد الغلبة في الحق والباطل وأداته في ذلك طولة اللسان وقوة الحنجرة فما معني مناقشته، ما هو المعني من مناقشة شخص انت تحتكم فيه إلي المنطق وهو لا يؤمن بالمنطق وتحتكم فيه إلي وقائع وهو يكذبها، ولو صدقها كان لغرض دفين في التحريف والتضليل والإسقاط ويسلك فيها مسلك العناد.

هناك جدل يكون الغرض منه منفعة شخصية وضع فيه المجادل لأجل شيء في نفسة وانت تجادل لأجل نصرة الحق فكيف تجمع بين قُضبان حديد ليس بينهما غير التوازي لا يمكن أن يتقاطعا أبدا، وهناك من يحجر عقله علي عقائد اعتقادها أو مبادئ اعتنقها فكيف تلينه بعد هذا التحجر او تكسب المرونة بعد هذا التصلب؟

انما ينفع الجدل قوم يبرهنون فيعتقدون لا قوما يعتقدون فيبرهنون، فكما ذكر الغزالي “الجدل أبعد شيء عن البحث النزيه، والاستدلال الموفق”، لكن هناك فرق كبير بين الجدال والمحاورة فالحوار تسوده المحبة ويسوده التفاهم والتواصل والرغبة في معرفة الحقيقة، بينما الجدال يسوده الكبر والرغبة في تحطيم الآخرين والإستعلاء عليهم.

فما هو السر في هذه الفوضى كلها!
السر في قلة العقل؛ فأقل الناس عقلا أكثرهم كلاما، وعدم ضبط النفس فالنفس إذا لم يكن لها ضابط من عقل وحكمة شردَت وذهبت كل مذهب، والسر في الرأي العام الذي لا يحتقر الجدل الخصم بل هو يطري علي طول اللسان وكثرة بجاحته وشدة إمعانه… 

والسر أيضا في عدم تقدير الزمان والوقت فلابأس عند الناس أن تضيع الساعات في الكلام الفارغ، والجدل التافه فهي متعة ولذة كما هو الحال عندهم مع النرد والشطرنج.

لو كنت تملك جزء من العقلية فوفر على نفسك الجدل فيما لا طائل منه، واقتصد في وقتك وتوازن نفسك، ومن أهم وسائل الحياة الشروع في الهرب من الجدل العقيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.