مات عم “زهدي” ولم تتحقق أحلامه

للكاتب الساخر الكبير / عماد جمعة إمام

11

عندما صدرت مجلة كاريكاتير الشهيرة عام 1990 لم يكن العالم تطور بهذه الصورة فلا بريد الكتروني ولا فيس بوك ولا تويتر وسناب شات وانستغرام وأبصر إيه تاني وليلة كبيرة يا عم الحاج لا على البال ولا الخاطر حتى الخواجة جوجل كان لسه في علم الغيب وكان جهاز الفاكس في ذلك الوقت فتحا جديدا في عالم الاتصالات واختراعا عبقريا لنسخ الصفحات وإرسالها لأي مكان في العالم عبر خطوط الهاتف في صورة طبق الأصل لكن عمنا الفاكس كان ينقل الكلام بدقة عالية في أوراق حرارية في البداية ثم أوراق عادية لكن بالنسبة للرسوم لم تكن بذات الدقة خاصة الملونة فقرر عمنا مصطفى حسين وأستاذنا أحمد طوغان رئيسا التحرير أن أقوم بدور الفاكس أسبوعيا وأذهب إلى الرجل الثاني في الكاريكاتير المصري بعد عمنا رخا زهدي العدوي في منزله الكائن بشارع شريف وسط القاهرة حيث الأضواء الباهرة والمحلات العامرة والناس الساهرة كنت أتلفت يمنة ويسرة وأتسكع كصعلوك مفلس يكتفي بالفرجة وسط شلالات البشر الهادرة وحينما ينتهي بي المطاف أمام باب شقة عمنا زهدي ويفتح لي الباب بجلبابه وانحناءته الخفيفة مرحبا مهللا بدون ابتسامه وكأني انتقلت إلى عالم آخر غير الذي تركته بالأسفل.

عماد جمعة ـ 7

كانت شقته متوسطة الإنارة لم أرها يوما تتلألأ أو تتلعلط أو تسبح في الأضواء الظاهرة أو حتى الباطنه كان الهدوء يخيم عليها والصمت يلف المكان بردائه وتكاد تسمع أنفاسك فيصطحبني عم زهدى إلى بلكونة أو فرندا كبيرة ممتلئة بالزرع الذي يتسلق حتى على الجدران ويكسوها ويجلسني ويغيب لدقائق ثم يأتي ممسكا بصينية عليها كوب ماء وكوب آخر به مشروب أصفر ظننته حلبة حصى في البداية لكن لم يكن هناك أي أثر للحلبة فالحلبة في القهاوي الكوباية فيها حب فقال تفضل اشرب ودفعني الفضول لارتشاف شفطة وأجاركم الله كان مذاقه صعبا فكلما قال تفضل ابتسمت في بلاهة ومددت بوزي شاكرا حتى سنحت فرصة ذهبية عندما نادت عليه السيدة الفاضلة شوقية هجرس زوجته ترددت قليلا ثم خطفت الكوب وسقيت به الزرع بجواري وعندما عاد ووجد الكوب فارغا قال الظاهر انه عجبك اعمل لك واحد تاني فهممت لتقبيل يده ألا يفعل وقلت هى دى حلبة ياعم زهدي بس طعمها متهيألي متغير شوية قال عايز تعرف قلت له حاموت وأعرف إيه دي ؟!!
71329148_561806467959866_6684005866141646848_n
قال اسأل الزرع اللي سقيته يمكن يجاوبك قالها وهو يبتسم على غير عادته كانت صدمة بالنسبة لي جعلتني أبتلع لساني وأبحلق في وجه عمنا زهدي والسؤال جاثم على صدري كيف رآني لقد خدعتني بساطة الرجل فأخرجني من حيرتي قائلا : ده شاى أخضر فقلت أخضر ازاى يعني طول عمر الشاي أحمر وستى بتشربه زى الحبر أسود فقال لا فيه شاي أخضر صحي أكتر ايه رأيك اعمل لك واحد فسارعت خليها مرة تانية وغيرت الموضوع فين بقى الشغل عشان امشي قال في المكتب أتفضل .
عماد جمعة ـ 3
ومرت الأسابيع والشهور وجمعت بيننا صداقة وتعودت على شرب الشاي الأخضر وكنت بطلبه بنفسي كان عم زهدى أشبه بناسك في محرابه أو عابد في صومعته لا يغادرها إلا للضرورة خاصة مع اعتلال الصحة يطمئن منى على الجميع في المجلة كان بسيطا للغاية مهموما على الدوام لم أره يبتسم إلا في مرات قليلة كأنه يحمل جبال الدنيا على ظهره وعندما سألته ذات يوم عن ذلك قال يا ابني الأحلام كبيرة والعمر قصير متى تتحقق لقد قضيت عشرين عاما تقريبا أجرى خلف فكرة تأسيس الجمعية المصرية للكاريكاتير حتى تأسست فالعمر فيه كام عشرين سنة نفسي أعمل مكتبة تجمع كل ما نشر وما ينشر عن الكاريكاتير مش في مصر بس وفي الوطن العربي ولو قدرنا يبقى في العالم هذا الحلم لو تحقق ستكون مرجعية كبيرة لكل رسامي العالم —
عماد جمعة ـ 5
قول ياعم زهدي وبتحلم بايه تاني فابتسم وقال إيه ياواد حتعمل علي صحفي فقلت العفو ياعمنا إحنا كلنا تلاميذك فسكت لفترة وغرق في التفكير ولاحظت ذلك فلم أشأ أن أقطع عليه حبل أفكاره وغرقت في صمت لا يقطعه إلا صوت المروحة وفجأة تحرك وأحضر ملفا فيه قليل من الأوراق وقال أنا بحاول أكتب تاريخ الكاريكاتير في مصر وأجمع رسوم الرسامين لنحافظ على هذا التاريخ وقال بدأت من عند الفراعنة وأخرج من الملف صورة على شكل شريط طويل يلعب فيها الأسد شطرنج مع غزال وبجوارها لقطة أخرى يظهر فيها وحيد القرن جالسا فوق شجرة والنسر يحاول صعود الشجرة مستخدما السلم وفي ذات الصورة مجموعة من الفئران تهاجم قلعة القطط وقط يقوم بخدمة أحد الفئران وقال في حزم وجدية شديدين ده تاريخ الكاريكاتير يا عماد أول برديات فرعونية تحمل رسوما كاريكاتيرية إحنا قبل أوروبا بآلاف السنين .
عماد جمعة ـ 2
ما كانش أسمه كاريكاتير لأن الكلمة نفسها حديثه لكن شوف المبالغات والتنافضات في الرسوم المهم هذه البرديات وجدها لصوص المقابر كانوا بيدوروا على الذهب ولم يلتفتوا لهذه البرديات فأخذها الانجليز أيام الاحتلال وهناك الكثير من البرديات الكاريكاتيرية الفرعونية ومنها مسجل على جدران الكهوف لا نعلم عنها شيئا ولا إلى أين ذهبت لكن هذه الصورة لبردية موجودة في متحف تورينو بايطاليا ظهرت معروضة عندهم كيف وصلت إلى هناك لا نعلم باختصار خلى الملف ده عندك لو مت كمل الكتاب قلت بدهشة أنا فقال أيوة أنت شاب صغير وقدامك الفرصة تحقق الأحلام والأفكار دي لكن أنا بودع يا بني ممكن أموت في أى لحظة وتموت أفكاري وأحلامي معايا فقلت ربنا يديك الصحة وطول العمر لكن أنا مين وأقدر أعمل إيه وازاى تثق فيا كده فقال طوغان بيحبك قوي وكلمنى عنك والفترة اللي فاتت عرفتك كويس ومتخافش عندي صورة تانية من الأوراق دي قلت له إن شاء الله حتعيش وتعمل المكتبة والكتاب وتجمع الرسوم وتحافظ على تاريخ الكاريكاتير بنفسك .
عماد جمعة ـ 1
وتراجعت صحة عم زهدي ولم يعد يرسم في أيامه الأخيرة ليرحل في يونيو عام 1994 ليسدل الستار على أحد أعمدة الكاريكاتير العربي كانت رسومه سهل ممتنع تحمل قضايا فكرية عميقة في بساطة وسلاسة كان وطنيا حتى النخاع اعتقل عدة مرات بسبب مواقفه الوطنية واكتشف مأمور سجن الواحات أن المعتقل زهدى العدوى يجمع لبابة العيش ويعيد تشكيلها على هيئة عساكر الشطرنج فطلب منه أن ينحت له تمثالا انتهز عمنا زهدى الفرصة وكان يجلس المأمور يوميا أمامه كالصنم

تعليق 1
  1. الكاتب الأديب جمال بركات يقول

    احبائي
    الكبار يحلمون دائما بترك ارث ثمين للآخرين
    لايفكرون في أنفسهم وذواتهم الأنانية كغانمين فائزين
    لكن الدنيا تبخل دائما على الكبار وتكون كريمة مع التافهين
    فاللهم ارحم هؤلاء الأصدقاء الزملاء واشملهم برحمتك أجمعين
    أحبائي
    دعوة محبة
    أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه….واحترام بعضنا البعض
    ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
    جمال بركات…رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة

التعليقات مغلقة.