هاني علي الهندي: كتابي من ريحة لبلاد أهمية كتابة التراث الشفاهي الفلسطيني

هاني علي الهندي: كتابي من ريحة لبلاد أهمية كتابة التراث الشفاهي الفلسطيني

حاوره /سليم النجّار
متابعة/لطيفة القاضي

 


ـ الحكواتي مهنة عرفتها مدينة القدس منذ مطلع القرن التاسع عشر
ـ بعض الأبحاث الأكاديمية لم ترتق إلى المستوى المأمول
ـ صناعة خشب الزيتون من أهم الفنون الشعبية في القدس
ـ يعتبر التراث الشفهي من أهم المصادر التاريخية المُتعددة
ـ مدفع رمضان ينطلق من أعلى مقبرة الساهرة،
ـ ضرورة تأسيس مراكز بحوث متخصصة لدراسات التراث الشفاهي

 

اللقاء مع الكاتب والأديب الأردني هاني علي الهندي للحديث عن السرديات الشفاهية في القدس الاسم : هاني علي عبد الرحمن
اسم الشهرة : هاني علي الهندي
ولد الأديب والكاتب الأردني هاني علي الهندي في مخيم المحطة/ عمان عام 1955 لأبوين فلسطينيين، ورث النكبة عن أجداده اللذين اقتلعوا من أرضهم عام 1948، تلقى علومه الابتدائية في مدارس وكالة الغوث في الهاشمي الشمالي، أكمل دراسته الثانوية في مدرسة الفتح الثانوية القريبة من مخيم المحطة، وتخرج في الكلية العربية مدرسا للغة العربية عام 1977، حصل على بكالوريوس في التعليم تخصص مجال اللغة العربية من كلية تأهيل المعلمين العالية عام 1990، عمل معلما في مدارس وزارة التربية والتعليم لمدة عشرين عاما، ثم عمل معلما في مدارس وكالة الغوث.
عمل في صحيفة الهدف ومجلة المسيرة ونشر العديد من إبداعاته الثقافية
في العديد من الصحف الأردنية والمجلات العربية.

عضو رابطة الكتاب الأردنيين و عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
عضو مؤسس في نادي الثقافة والإبداع وعضو الهيئة الإدارية في نادي الرواد الثقافي، نشر العيد من المقالات في الصحف والمجلات الأردنية والعربية.
أصدر مجموعة من الكتب والدراسات؛ أطفال شعر والدمار 1948 بحث ونضال المرأة الأردنية دراسة و محطات في تاريخ القضية دراسة


و القباب من ذاكرة الشيوخ دراسة و الحزن في الأغنية الشعبية الفلسطينية دراسة و القباب.. “من ريحة لبلاد” و “هم البنات للممات” من أمثال النساء في الأردن وفلسطين ومخيم المحطة أوراق وذكريات.

كيف تصف مسار السردية الشعبية الفلسطينية عن القدس ؟

السرديات الشعبية الفلسطينية متعدد؛ منها الحكاية الشعبية (خراريف ستي) والمسرح الشعبي والحكواتي الذي انتشر في أغلب مناطق فلسطين بما فيها القدس قبل ظهور الراديو التلفزيون، كانت المقاهي في البلدة القديمة والأحياء الخارجية مثل القرى سلوان والمالحة وبيت صفافا وغيرها، قد حافظت على طابعها العربي الأصيل يمارس روادها الألعاب التقليدية ويستمتعون بالغناء على الربابة.
وكان الحكواتي؛ وهي مهنة عرفتها مدينة القدس منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحظيت بشعبية كبيرة جعلتها جزء من التراث الشعبي. ونادرا ما يخلو مقهى من مقاهي مدينة القدس التراثية قديما من الحكواتي بلباسه المميز، يمتع رواد المقاهي وربما في المنازل أو الطرقات في موعد معلوم يكون بعد صلاة العشاء بالسير الشعبية مثل سيرة تغريبة بني هلال أو وعنتر بن شداد والزير السالم والظاهر بيبرس التي تصور الحروب الصليبية، هذه السير والحكايات التي يتقن سردها الحكواتي بحركات وتعبيرات جسدية وتقليد أصوات يجسد دور الشخصية التي يحكي عنها بما يتناسب مع تناسب، كان لها دور تعبوي وحماسي خاصة في القرى.
وغالبا ما كان الحكواتي يتوقف عن السرد عند اللحظة الحساسة لتشويق وإثارة المستمعين الذين يرفضون هذا التوقف للاطلاع على ما بعده. لكن للأسف قد اختفى هذا التراث الشعبي بشكل عام بما فيها مقاهي القدس.
هذا الحكواتي كانت تقوم بدوره الجدة في البيوت، خاصة في ليالي الشتاء الباردة على دخان ودفء كانون النار، عندما كان الأحفاد يتحلقون حولها وهي تسرد لهم بعض الحكايا الشعبية

هل وصلنا من رفع السردية الشعبية الفلسطينية عن القدس من الهواية إلى مستوى الدراسة الأكاديمية ؟

ظلت السردية الشفوية الفلسطينية محصورة بين أفراد الأسرة أو الجماعات المتقاربة تسردها من باب الذكريات لفترة طويلة، خاصة التهجير القسري للفلسطينيين عام 1948، أو الحكايات الشعبية التي ترويها الجدات، وغيرها من السرديات قبل أن يفكر المهتمون بجمعها، فعلى سبيل المثال لم يفكر نمر سرحان بجمع الحكايات الشعبية إلا العام 1966 حيث كانت نصوصا متفرقة، بعد ذلك نشط الاهتمام بتوثيق هذه المرويات الشعبية لما لها من أهمية اجتماعية وتاريخية وسياسية، بعيدا عن العمل المؤسسي، قبل أن تهتم مراكز الأبحاث والدراسات، حتى هذه المراكز لم تبتعد في دراساتها عن تقييم النصوص وعلاقتها الاجتماعية والتاريخية بعيدا عن الاهتمام بالجانب البحثي الأكاديمي.
وهذا لا يعني عدم وجود دراسات وأبحاث أكاديمية في هذا المجال إلا أن بعضها لم ترتق إلى المستوى المأمول بسبب غياب التوثيق العلمي لكثير مما يكتب في السرديات الشفوية، وغياب المفاهيم الأساسية للسرديات عند كثير من الدارسين.

ما هي أهم الفنون الشعبية في القدس ؟

القدس عاصمة فلسطين الأبدية، وفي العاصمة عادة ما تجتمع الفنون الشعبية بكل مكوناتها، وقد وردت في معاجم اللغة عدة تعريفات للفنون الشعبية تتقاطع في بعض أشكال الفنون الشعبية، ولكن الغالبية تتفق على أن الشعر الشعبي بما فيه من فنون الأهازيج مثل: الأغاني التي يدخل في ضمنها أغاني الأعراس وأغاني العمل والمناغاة والهدهدة وغيرها، وفن الرقص الجماعي والموسيقى ومن ضمنها الدبكة وعزف اليرغول والمجوز والربابة وغيرها وفن الحكايات من ضمنها حكايات الأجداد للأحفاد والحكواتي، وفن التصميم من ضمنها الأزياء الشعبية والتطريز والزخرفة والصناعات والحرف الشعبية.
هذه الفنون تجتمع في مدينة القدس وقراها، إلا أن صناعة خشب الزيتون من أهم الفنون الشعبية في القدس وبيت لحم، هذه الصناعة دخلت إلى فلسطين في القرن الرابع الميلادي على يد الرهبان بالتزامن مع بناء كنيسة المهد، فصنع المقدسيون والتلحميون السابح من نواة ثمرة الزيتون، كما صنعوا الشمعدان ومغارة الميلاد وشخوص فردية للسيد المسيح ومريم العذراء وغيرها.
ونظرا لتوافد السياح أثناء الحج المسيحي انتعشت هذه الصناعة وعرفت خارج فلسطين.

ما هي اهم الطقوس الرمضانية في القدس ؟

ربما يكون لشهر رمضان في القدس نكهة روحانية تختلف عن باقي الناطق لخصوصيتها، فهي المدينة المقدسة ومعراج الرسول، شهر البركة والخير، ” شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان” [سورة البقرة: آية 185] ويستقبله المقادسة ببهجة وفرح والسمو الروحي للمقدسيين.
تتزين شوارعها بالفوانيس و المصابيح والأعلام بالألوان الزاهية تستعد لاستقبال شهر رمضان قبل أســبوع أو أكثر من يومه الأول، فتعرض المحلات التجاريّة بضائعها الموسميّة من قمر الدين وفواكه مجففة وبعض المواد التموينّية، وينتظر الناس ثبوت الشهر والاستمتاع بمدفع رمضان الذي ينطلق من أعلى مقبرة الساهرة، وكان يشرف عليه أل صندوقة من عائلات القدس.
وقد جرت العادة تلاوة القرآن في المسجد الأقصى يوميا بعد صلاة العصر يتلوها كبار المشايخ مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد
كان الأطفال يلعبون في الحارات أو يجتمعون أمام الجامع، وعندما يصعد المؤذن يأخذون بالغناء:
وَذّنْ يا وذّان وِاْلقَدَحْ مَلْيانْ
وإذا انطلق الأذان صاحوا بفرح: (هاييييييييييى)، وينطلقون مسرعين إلى البيوت فرحين مرددين: (أُفْطُرُوا يا صَايْمِينْ عَ الرّغْيفْ قَاعْدِين) .
وبعد تناول طعام الإفطار تبدأ السهرات الرمضانيّة بتناول الحلوى المقدسية بينما ينطلق الأطفال في الحارات فرحين يطوفون البيوت وهم يغنون أغانيهم الخاصة بهذه المناسبة.
ومن مظاهر رمضان حلوى القطايف من العناوين الكبرى لشهر رمضان في القدس، وهو ما يحولها، وهي حلوى عربية معروفة, تفرض وجودها في شهر رمضان, حيث يقوم أصحاب محلات الحلويات بإعداد أدواتهم الخاصة بصناعتها في آخر يوم من شهر شعبان، مزينين أبوب محلاتهم بالفوانيس ولأضواء معلنين احتفالاتهم في الشهر الفضيل، ويختفي في أول أيام العيد ليصبح غريبًا بانتظار شهر رمضان القادم.
ومن مظاهر رمضان ظهور رقائق ( قمر الدين) المصنوع من ثمار المشمش في الأسواق على بسطات الباعة والمحلات التجاريّة، ولأهمية هذا المنتج تحرص الأسرة على تناوله في شهر رمضان؛ حيث يمد الصائم بالطاقة والحيويّة ويقلل شعوره بالظمأ والجفاف بالإضافة للعديد من الفوائد الصحيّة.
من مظاهر رمضان صوت المسحّراتي في الذي ينطلق بين البيوت والحارات والأزقة قارعا طبله لإيقاظ النائمين لتناول طعام السحور رافعا صوته:
يا نايم وحد الدايم
يا نايمين وحدوا الله
وفي أول أيام عيد الفطر يطوف المسحراتي شوارع المنطقة وأزقتها بطبله الكبير، ومن خلفه الأطفال فرحين وهو ينادي: (رمضان كريم) فيخرج إليه الأهالي يقدمون كعك العيد والحلقوم والحلويات مع ما تجود به أنفسهم من المال.

إن اهمية التراث اللغوي الشفاهي لا تخفي على أي باحث ؛ خصوصاً في مدينة كالقدس التي تحظى بامتداد حضاري وثقافي وعربي – إسلامي حدثنا عن اهمية هذا التراث ؟

يعتبر التراث الشفهي من مصادر التاريخ المُتعددة المهمة لكل أمة تعتني بتاريخها، لما يعطيه من تصور دقيق، فهو علم مُشترك بين التاريخ وعلم الاجتماع، الانثروبولوجيا، والأدب، واللغة، وغيرها من العلوم الإنسانية الأخرى، ويندرج تحت هذا المصطلح مكونات التراث الشعبي من مثل: الحكايات الشعبية، والحكواتية، والأساطير، والسير الشعبية، والأمثال والحكم، والغناء، والشعر، وأغلب الثقافات المدونة كانت في الأصل ثقافات شفاهية، فالإلياذة والأوديسة وغيرها من آثار اليونان كانت في الأصل شفاهية.
من هنا تأتي أهمية كتابة التراث الشفاهي الفلسطيني، وقد أثبتت بعض المقابلات الشخصية الشفاهية التي قمت بها أثناء إعدادي لكتاب من ريحة لبلاد الذي اشتمل على تسجيلات مصورة ومكتوبة لأربعين شخصية عاشت حروب النكبة عام 1948، روت أحداث وتشريدها من قراها، تكشف حقائق تاريخية جديدة تُنشر لأول مرة.

الأزياء التقليدية كمورث وتراث وعادات تختلف في تفاصيلها والوانها وطريقة حباكتها واسلوب لباسها ؛ ما هي اهم مزايا الأزياء لمدينة القدس ؟

يعود تاريخ الأزياء الشعبية الفلسطينية إلى فترة العصر الحجري القديم، مرورا بالحضارات المتتالية، خاصة الحضارة الكنعانية، ولذلك نرى ثوب المرأة الفلسطينية بزخرفته يحمل دلالة تاريخية لرمز من الرموز الكنعانية قديمة.
ولعل ثوب المرأة المقدسية سواء كانت مدنية أو فلاحية أو بدوية يتميز بوجود أثر لكل العصور التي مرت على القدس؛ فهو ثوب من الحرير الأسود مطرز باللون الأحمر الناري، يعكس بألوانه الوجع والحزن و اختفاء الألوان الزاهية نتيجة للأحداث التاريخية التي مرت بها القدس.
استمدت المرأة المقدسية أشكال التطريز من البيئة المحلية، فقد ترى الهلال أو الصليب على القبة، أما عروق الثوب تزخرف ببعض النبات أو الطيور أو الحيوانات المنتشرة في منطقة القدس، ما يزيد جمال المرأة القروية.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.